القاضي عبد الجبار الهمذاني

476

شرح الأصول الخمسة

واعلم أن هاهنا أسماء أخر غير الإيمان ، نقلت من الاسم إلى الشرع ، والكلام في ذلك إنما يتضح إذا بينا جواز نقل الأسماء من اللغة إلى الشرع ، وأن ما هو جائز فهو ثابت . أما الذي يدل على أن نقل الأسماء جائز ، هو ما قد ثبت أن أهل الشرع عقلوا معان لم يعقلها أهل اللغة ولا وضعوا لها أسماء ، فلا يمتنع أن ينتزع أهل الشرع من اللغة أسامي لما قد عرفوه بالشرع ، بل الحكمة تقتضي ذلك . وصار الحال فيه كالحال فيمن استحدث صناعة من الصناعات ولها آلات مختلفة ليس لها في اللغة أسماء تعرف بها ويقع التمييز بينها وبين غيرها ، فكما أن له أن يضع لكل واحد منها اسما ، بل الحكمة تقتضي ذلك ، كذلك هاهنا . وأما الذي يدل على أن ما هو جائز فهو موجود ثابت فظاهر ، لأن الصلاة كان في الأصل عبارة عن الدعاء ، والآن صارت بالشرع اسما لهذه العبادة مشتملا على هذه الأركان المخصوصة ، وكذلك الصوم فقد كان في الأصل عبارة عن الإمساك ، والآن صار بالشرع اسما لإمساك مخصوص في وقت مخصوص ، وكذلك الزكاة كان في الأصل عبارة عن الزيادة والنماء والآن صار بالشرع اسما لإخراج قطعة من المال مخصوصة . إذا ثبت هذا ، فإن قولنا مؤمن ، من الأسماء التي نقلت من اللغة إلى الشرع وصار بالشرع اسما لمن يستحق المدح والتعظيم . وكما أن قولنا مؤمن ، جعل بالشرع اسما لمن يستحق التعظيم والإجلال ، فكذلك قولنا مسلم ، جعل بالشرع اسما لمن يستحق المدح والتعظيم حتى لا فرق بينهما إلا من جهة اللفظ . والكلام في ذلك يقع في موضعين : أحدهما ، أن قولنا مسلم غير مبقي على ما كان عليه في الأصل ، والثاني ، أن الشرع جعله اسما لمن يستحق المدح والتعظيم . أما الذي يدل على أنه غير مبقي على الأصل هو أنه لو كان مبقي على الأصل لكان يجوز إجراؤه على الكافر إذا انقاد للغير ، ومعلوم خلافه ، ولكان يجب أن لا يجري على النائم والساهي لأن الانقياد غير مقصود منهما ، ولكان يجب أن لا يسمى الآن بهذا الاسم إلا المشتغل به دون من سبق منه الإسلام . ومتى قيل كذا ، نقول : قلنا : يلزم على هذا أن لا نسمي أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلّم الآن